كانت صفية ما تزال تمسك بالعصا حين دفعها جهدها إلى أن تستريح. تهالكت على أرض المغارة فكانت آخر الجالسات من الرفيقات. سرت الرطوبة في ساقيها المكشوفتين وجذعها حين أسندته إلى جدار الكهف، وقاومت ردّة فعلها للبرودة لحظة انتفضت، ثم مالت بظهرها كله نحو الجدار، فتناثرت حبات تراب قليلة نحوها. وران سكون الصمت العميق على الأجساد الصغيرة أعياها عبثها ولهوها منذ الصباح.
" لماذا تموت السراخس الغضة، وكيف استسلمت أطرافها للجفاف وسمحت للون البني القاتم أن يغزوها بتلك السرعة، وقد ظلت رَخْصةً حتى الأمس!"
عبثت بالعصا .. عود يانع قطعته مع الصباح وشذبته، وحملته كما يفعل والدها ليطرق بها الأرض مرات منبهاً زوجته أو ضيفاتها من النساء لقدومه. ضربت بها أرض المغارة مرتين مدارية انقباضاً وندماً. هل كانت ستذبل لو لم تمد يدها بالأمس فتعبث بالأوراق اللامعة في إعجاب وحدب؟
كانت الأوراق قد نبتت في تراب حشره نتوء صخري مرتفع نسبياً عند عمق المغارة تماماً. ودّت صفية لو أنها تعرف طريقة توقف بها ذبول السرخس. وأقسمت في صمت أن لا تعود إلى لمسها لو قاومت تلك البراعم الصغيرة في وسطها جفاف وغلبته. ولم يخلّصها قرارها من بعض حسرة في النفس!
كن فتيات خمساً. أكبرهن صفية في التاسعة أو العاشرة لا تزيد، والصغرى منهن نوال لم تدخل عامها الخامس بعد، يقبلن اصطحابها إلى مكانهن السري في المغارة تحت إلحاح الأمهات وبكاء نوال الدائم للحاق بهن!
صفية وفاطمة وحُسُن بنات الحاج محمود العريان. ولم يكن محمود العريان قد حج أو حتى اعتمر. ولكنه كان دائم الصلاة ورعاً. ورغم انه موظف صغير في إدارة البريد، إلاّ انه جاد ومهيب في مظهره العام، وله سطوة الصالحين بين جيرانه.
زينب ونوال بنتا جميل سلمان، الحجّار البسيط الذي ورث كرمه عن أجداده فأبقاه رغم ضنكه اتقاءً لغدر الأيام!
اتخذت العائلتان قرار قضاء الصيف في الكرمين حفاظاً على الثمار من نهب اللصوص وطمع النواطير. ولأن الكرمين يحتلان قمة الجبل انحداراً فقد عملت الطبيعة ومياه الشتاء والصخور على انتشار المغاور فيهما. ولكن هذه المغارة بالذات ظلت تجذب الفتيات إليها، فهي شحيحة العمق تطل على الشرق، تتسلل إليها أشعة الشمس من بابها العريض قليل الارتفاع فتكشف خلوّها من الزواحف وما يثير رعب الفتيات، ويسد جزءاً من بابها شجرة تين وارفة تسامقت وانتشرت أغصانها على ظهر المغارة الصخري فصارت سلماً إلى حباتها الناضجة السود.
يتبع
يـــــومٌ عــــــاديّ

Admin- Admin
- عدد المساهمات: 14
تاريخ التسجيل: 22/09/2008
- مساهمة رقم 1
يـــــومٌ عــــــاديّ

Admin- Admin
- عدد المساهمات: 14
تاريخ التسجيل: 22/09/2008
- مساهمة رقم 2
رد: يـــــومٌ عــــــاديّ
ورغم أن المغارة في كرم جميل سلمان، إلا أنها تتوسط المسافة ما بين منزلي الحاج محمود وجميل سلمان، وبعيدة عنهما بما يكفي للعب لا يقطعه الكبار بأوامرهم أو مراقبتهم. وهي مكان صفية المفضل للهو، ففيها تمارس سلطتها على الأخريات، ذلك أنها لا تقبل إلا أن يكون "الرجل" في اللعب لا تتنازل عنه!
وصفية ليست بالغة الجمال حين تدقق في ملامحها! ولكن لتناسق قسماتها تلك الجاذبية التي لا يملك معها من يراها إلاّ أن يعيد النظر إليها، وحين تعقص شعرها الناعم خلف رأسها تبدو أكثر حلاوة، وهي تفعل ذلك دائماً ليناسب الشورت تشبهاً بالأولاد. وليس لها إخوة ذكور. ولأن الحاج محمود صرخ واحتد لأن البنت كبرت ولا يجوز أن تكشف ساقيها.. ولعن "المتشبهات بالرجال"، انتصرت صفية على قراره بأن دست أطراف ثوبها في سروالها الداخلي كلما مضت إلى دور الرجل في لعبها.
ـ تفضَّل قهوتك.. الله يعطيك العافية!
صبت زينب. في صوتها لهجة النساء وهي تمد لصفية حجراً مسطحاً فوقه حبة تين كاملة وحبتين من رمان، بينما قسمت لها وللصغيرات قطعاً صغيرة. ابتسمت صفية لحصة الرجال. وقضمت حبة التين ممسكة طرفها كما يفعل والدها بفنجان قهوته.
لم ُيجْدِ الطعام في إعادتهن للعب وقد استنفذ طاقتهن حين اقترب النهار من منتصفه. فران سكون عميق على ترامي المكان.
لسقوطه صوت قوي وعنيف قطع الصمت بغتة، قفزت نوال الصغيرة فاحتمت بحضن زينب، وتعلقت أنظارهن بشجرة التين حيث وقع.
حط طائر كبير على الجذع تماماً أمامهن. . هل تلهث الطيور؟ كان منقاراه قد انفرجا بالحرارة والعطش، لحظات، ثم انفلت محلقاً بحفيف عنيف مع أوراق التين تماماً كما هبط، وخيّم الصمت من جديد على الصغيرات.
لحظة الهدوء قصرت عن نفض وَقْع الخوف والرهبة، حين توقفت نوال عن التململ في حضن زينب. اتسعت الأحداق .. واحتبست الأنفاس في توجس أخذ يتنامى ويشتد، وتابعت أنظارهن زحفه القرفصاء محتمياً بالنتوء الصخري الذي يشكل باب المغارة. وكان كما بدا من ظهره نحيلاً وقصير القامة التصق بنطاله بساقيه في زحفه وحدّدهما، وقد ثبت بندقيته على صدره والصق بها خده. كان الغريب رابضاً أمام معقل الصغيرات لا يحيد.
هل التفت باتفاق الصدفة، أم أنه أحس تلك الحركة بلا صوت حين ثبّتت زينب أختها الصغيرة على ركبتيها وطوقتها بذراعيها؟ ولكنه حين رآهن كان ما يزال يشتم الطائر الناجي والحظ الزفت بألفاظ لم تسمع الصغيرات معظمها من قبل!
سحب بندقيته من على صدره، وفرك عينيه مرتين، تردد لحظات ثم بدأ زحفه باتجاههن، وأبصار الصغيرات تتابع ما فعل كوقع قَدَريّ لا رادَّ له، دون أن تصدر عنهن ولو نأمة، وحين توقف أمامهن تماماً وقريباً جداً من صفية. وران الصمت العميق من جديد على المكان.
تحولت أنظار الصغيرات جميعاً إلى وجه صفية وتعلقت بالقسمات الجامدة مستجدية خلاصاً. . كانت رَجُلَهنَّ الوحيد حتى تلك اللحظة، تحدّد لهن أصول اللعب، وترسم الأدوار، وتختار. وتفرض وتعاقب وتستأثر بنصيب الأسد من الطعام. وفي لحظة الخوف والحيرة لم يكن لهن رجل سواها. ولكن وجهها ظل جامداً، متصلب التعابير. لا تنطق بحرف.
أدركت صفية منذ احتكت صلابة ساقه بفخذها العاري انه اقترب منها اكثر مما يجب، فعجزت عن سحب نفسها عنه، والبرودة تسري في أعضائها فتنمّل. "وإذا اقترب منكن غريب اهربن. اصرخن. لا تتحدثن إلى غريب أو تقبلن شيئاً منه". وإذا بالغريب أقرب مما تظن الأمهات، والصوت حبيس في الحناجر، والسيقان لا تقوى على حمل الأجساد، والعزائم خائرة لا تملك حركة أو انطلاقاً.
رفعت بصرها إليه، وفي عينيه شيء لم تر مثله صفية أبداً في نظرات والدها. شيء ما حيّرها وزاد من رعبها!
ـ ماذا تفعلن هنا؟
وصوته غليظ متنافر مع نحوله. جال ببصره في الوجوه الصغيرة المرتعبة لا تحير جواباً، ثم انقض به على ساقي صفية من جديد.
لأول مرة منذ وعت.. حين تابعت نظراته البطيئة على فخذيها نزولاً .. اكتشفت صفية أن ساقيها طويلتان ومتناسقتان مع بعض الامتلاء في فخذيها اللذين لوحتهما شمس اللعب في الكروم بسمرة ذهبية، والتمع جلدها بنعومة طفولته الغضة. ورغم ضيقها بنظرات الغريب، عجزت عن فعل ما، بينما ساقه تلتصق بها أكثر فتحس حرارة جسده .. لا يفصلها سوى قماش بنطاله. "لماذا تختلف نظرات الصيّاد عن الآخرين" ؟ لاح السؤال وظل معلقاً بلا جواب. وتضاعف ارتباكها وعجزها.
ـ ها. ماذا تفعلن هنا؟
ـ نلعب.
انتزعت صفية حروفها من ترددها ومن نظرات الأخريات المتسائلة وسكوتهن!.
ـ وماذا تلعبن؟
نبراته هادئة، ولكنها كالفحيح حين اقترب برأسه منها، وأنفاسه حارة تتدافع على نحو غريب. . ثم صارت لهاثاً لم تسمع الصغيرات مثله من قبل. وشفتاه منفرجتان، والظلال ما زالت تزحف مع انحراف الشمس عن باب المغارة. ولم تنطق أي منهن.
اسند بندقيته على جدار المغارة، تماماً بجانب عصا صفية، ثم مدّ يده فوضعها على فخذها المكشوف فانبعث في جسدها المطوق بأغلال الخوف قشعريرة لاذعة. . ويده خشنة وحارة، وظل تعاظم رعبها عاجزاً عن سحب ساقها، فبقيت يده هناك.
ـ وأنتِ؟ ماذا لعبتِ؟
وأكسب صوته بعض التودد.
ـ أنا. . أنا. . الأب. الرجل.
انبعثت رائحة التبغ الهيشي حين فح ضاحكاً ملتصقاُ برأسه منها. هذه الرائحة تعرفها صفية، فهي عالقة في ملابس والدها وأنفاسه، ولكنه لا يفح ولا يلهث كالغريب!
ـ رجل... ها ها. وله مثل هاتين الساقيين؟
داهمتها القشعريرة من جديد حين بدأت يده الخشنة تمر على نعومة جلدها.
ـ ولكن... هل تعرفين ما يفعل الرجال؟
لم تفهم صفية لماذا يضحك ولكنها أدركت من نبراته أن شيئاً ما يفعله الرجال لا تعرفه. وفي عينيه التماع يخيفها، يجعلها متأكدة أن هذا الرجل أمامها يستطيع أن يأتي شيئاً لا تعرفه. ولكنه مريب ومخيف. وهو بدون شك شيء تحذره منهن الأمهات ويخشينه من الغرباء. . وظلت كفّه تتحرك فوق جلدها وفحّ من جديد :
ـ ولكنها ألعاب لا تليق ؟. فلماذا تلعبن بشيء كهذا؟
واحتارت الصغيرات بعدم الفهم.
كانت نوال الصغيرة قد أنهت زحفها الأخير حتى باب المغارة، فانسلت منه في انشغال الغريب بصفية، ثم انطلقت باكية بصوت مرتفع قبل أن يفطن أحد لما فعلت، ترددت أنظار الصغيرات ما بين وجه الغريب والفضاء حيث اختفت نوال، وحين لم يحرك ساكناً. زحفت فاطمة في حيرة وتردد في البداية، ثم مرقتا إل الأرض الفضاء.
توقفت كف الغريب عن الحركة وهو يتساءل:
ـ لم تقولي. هل تعرفين ما يفعل الرجال؟
لفحت أنفاسه الحارة أذنيها قبل أن تحسها في شعرها حين انطلقت زينب حتى باب المغارة، وانفلتت بجموح، فانقبض شيء ما في صدرها ثم معدتها حين ظلت في المغارة مع الغريب وحدهما.
قاست صفية المسافة حتى الباب بنظرها. وأدركت أن كساحاً ما يشلها عن اللحاق بهن، بينما أنفاس الغريب برائحة الهيشي تدنو وتزداد لهاثاً وتتسلل إلى جسدها. والظلال حين مالت الشمس أسقطت على المكان عتمة خفيفة وكئيبة. وعيناه حمروان تماماً لحظة مدّ ذراعه فدسها وراء ظهرها، وتساقط بعض التراب حين احتك بجدار المغارة!
توقفت يده بغتة حين وصل منتصف ظهرها :
ـ بنات من أنتن؟
أسعفها الصوت الحبيس وهي تستنجد به.
ـ نحن بنات الحاج محمود. وهن بنات...
ـ الستن أخوات؟
ـ بنات جميل سلمان.
أنفاسه تضطرب وتتدافع تحيرها وتثير فيها اشمئزازاً لا تفهمه بينما تظل قواها خائرة تخذلها، ورائحة التبغ الهيشي قوية حولها.
ولهجته حادة حين قال بعداء مفاجئ، وهو يدفعها بيده :
ـ قومي.. أركضي.. يا الله.. روحي !
دفعها مرة أخرى وقد عجزت عن الحركة. فجأة دبت الحياة في كساح ساقيها. زحفت القرفصاء حتى شق المغارة دون أن تلتفت وراءها مرة، بينما اضطراب أنفاسه يتابعها. انتصبت عند مصدر الضوء، ثم انطلقت كالبرق.
الطريق إلى منزلها خالٍ وهي تسابق ساقيها نحوه.. ضربات قلبها عنيفة وفهمها عاجز.. لكنها توقفت عند الباب. سحبت ثوبها من سروالها فغطت فخذيها وساقيها. ثم دلفت إلى الدار.
اجتمعت النساء بعد العصر. والتقت الصغيرات من جديد ذلك اليوم. تحدثت الأمهات عن كل شيء بعيداً عن نهار الصغيرات، فقد لعبن وعدن ككل يوم. أما الصغيرات فكان لهن أيضاً نهاراً عادياً جداً لم يجدن فيه ما يمكن الحديث عنه. لكن زينب وصفية لعبتا بنديّة هذه المرة. وعبثت الأخريات وتراكضن دون أن يجدن ما يمكن الحديث عنه في ذلك الصباح العادي. ولم تُشِرْ أي منهن إلى الغريب. وقد اجتمعن من جديد في أيام كثيرة متتالية ومتلاحقة. ولكن لم تذكر إحداهن أبداً لم تزر تلك المغارة . ولم تقل إنها عادت إليها بعد ذلك اليوم.
***
ليلى الأطرش
وصفية ليست بالغة الجمال حين تدقق في ملامحها! ولكن لتناسق قسماتها تلك الجاذبية التي لا يملك معها من يراها إلاّ أن يعيد النظر إليها، وحين تعقص شعرها الناعم خلف رأسها تبدو أكثر حلاوة، وهي تفعل ذلك دائماً ليناسب الشورت تشبهاً بالأولاد. وليس لها إخوة ذكور. ولأن الحاج محمود صرخ واحتد لأن البنت كبرت ولا يجوز أن تكشف ساقيها.. ولعن "المتشبهات بالرجال"، انتصرت صفية على قراره بأن دست أطراف ثوبها في سروالها الداخلي كلما مضت إلى دور الرجل في لعبها.
ـ تفضَّل قهوتك.. الله يعطيك العافية!
صبت زينب. في صوتها لهجة النساء وهي تمد لصفية حجراً مسطحاً فوقه حبة تين كاملة وحبتين من رمان، بينما قسمت لها وللصغيرات قطعاً صغيرة. ابتسمت صفية لحصة الرجال. وقضمت حبة التين ممسكة طرفها كما يفعل والدها بفنجان قهوته.
لم ُيجْدِ الطعام في إعادتهن للعب وقد استنفذ طاقتهن حين اقترب النهار من منتصفه. فران سكون عميق على ترامي المكان.
لسقوطه صوت قوي وعنيف قطع الصمت بغتة، قفزت نوال الصغيرة فاحتمت بحضن زينب، وتعلقت أنظارهن بشجرة التين حيث وقع.
حط طائر كبير على الجذع تماماً أمامهن. . هل تلهث الطيور؟ كان منقاراه قد انفرجا بالحرارة والعطش، لحظات، ثم انفلت محلقاً بحفيف عنيف مع أوراق التين تماماً كما هبط، وخيّم الصمت من جديد على الصغيرات.
لحظة الهدوء قصرت عن نفض وَقْع الخوف والرهبة، حين توقفت نوال عن التململ في حضن زينب. اتسعت الأحداق .. واحتبست الأنفاس في توجس أخذ يتنامى ويشتد، وتابعت أنظارهن زحفه القرفصاء محتمياً بالنتوء الصخري الذي يشكل باب المغارة. وكان كما بدا من ظهره نحيلاً وقصير القامة التصق بنطاله بساقيه في زحفه وحدّدهما، وقد ثبت بندقيته على صدره والصق بها خده. كان الغريب رابضاً أمام معقل الصغيرات لا يحيد.
هل التفت باتفاق الصدفة، أم أنه أحس تلك الحركة بلا صوت حين ثبّتت زينب أختها الصغيرة على ركبتيها وطوقتها بذراعيها؟ ولكنه حين رآهن كان ما يزال يشتم الطائر الناجي والحظ الزفت بألفاظ لم تسمع الصغيرات معظمها من قبل!
سحب بندقيته من على صدره، وفرك عينيه مرتين، تردد لحظات ثم بدأ زحفه باتجاههن، وأبصار الصغيرات تتابع ما فعل كوقع قَدَريّ لا رادَّ له، دون أن تصدر عنهن ولو نأمة، وحين توقف أمامهن تماماً وقريباً جداً من صفية. وران الصمت العميق من جديد على المكان.
تحولت أنظار الصغيرات جميعاً إلى وجه صفية وتعلقت بالقسمات الجامدة مستجدية خلاصاً. . كانت رَجُلَهنَّ الوحيد حتى تلك اللحظة، تحدّد لهن أصول اللعب، وترسم الأدوار، وتختار. وتفرض وتعاقب وتستأثر بنصيب الأسد من الطعام. وفي لحظة الخوف والحيرة لم يكن لهن رجل سواها. ولكن وجهها ظل جامداً، متصلب التعابير. لا تنطق بحرف.
أدركت صفية منذ احتكت صلابة ساقه بفخذها العاري انه اقترب منها اكثر مما يجب، فعجزت عن سحب نفسها عنه، والبرودة تسري في أعضائها فتنمّل. "وإذا اقترب منكن غريب اهربن. اصرخن. لا تتحدثن إلى غريب أو تقبلن شيئاً منه". وإذا بالغريب أقرب مما تظن الأمهات، والصوت حبيس في الحناجر، والسيقان لا تقوى على حمل الأجساد، والعزائم خائرة لا تملك حركة أو انطلاقاً.
رفعت بصرها إليه، وفي عينيه شيء لم تر مثله صفية أبداً في نظرات والدها. شيء ما حيّرها وزاد من رعبها!
ـ ماذا تفعلن هنا؟
وصوته غليظ متنافر مع نحوله. جال ببصره في الوجوه الصغيرة المرتعبة لا تحير جواباً، ثم انقض به على ساقي صفية من جديد.
لأول مرة منذ وعت.. حين تابعت نظراته البطيئة على فخذيها نزولاً .. اكتشفت صفية أن ساقيها طويلتان ومتناسقتان مع بعض الامتلاء في فخذيها اللذين لوحتهما شمس اللعب في الكروم بسمرة ذهبية، والتمع جلدها بنعومة طفولته الغضة. ورغم ضيقها بنظرات الغريب، عجزت عن فعل ما، بينما ساقه تلتصق بها أكثر فتحس حرارة جسده .. لا يفصلها سوى قماش بنطاله. "لماذا تختلف نظرات الصيّاد عن الآخرين" ؟ لاح السؤال وظل معلقاً بلا جواب. وتضاعف ارتباكها وعجزها.
ـ ها. ماذا تفعلن هنا؟
ـ نلعب.
انتزعت صفية حروفها من ترددها ومن نظرات الأخريات المتسائلة وسكوتهن!.
ـ وماذا تلعبن؟
نبراته هادئة، ولكنها كالفحيح حين اقترب برأسه منها، وأنفاسه حارة تتدافع على نحو غريب. . ثم صارت لهاثاً لم تسمع الصغيرات مثله من قبل. وشفتاه منفرجتان، والظلال ما زالت تزحف مع انحراف الشمس عن باب المغارة. ولم تنطق أي منهن.
اسند بندقيته على جدار المغارة، تماماً بجانب عصا صفية، ثم مدّ يده فوضعها على فخذها المكشوف فانبعث في جسدها المطوق بأغلال الخوف قشعريرة لاذعة. . ويده خشنة وحارة، وظل تعاظم رعبها عاجزاً عن سحب ساقها، فبقيت يده هناك.
ـ وأنتِ؟ ماذا لعبتِ؟
وأكسب صوته بعض التودد.
ـ أنا. . أنا. . الأب. الرجل.
انبعثت رائحة التبغ الهيشي حين فح ضاحكاً ملتصقاُ برأسه منها. هذه الرائحة تعرفها صفية، فهي عالقة في ملابس والدها وأنفاسه، ولكنه لا يفح ولا يلهث كالغريب!
ـ رجل... ها ها. وله مثل هاتين الساقيين؟
داهمتها القشعريرة من جديد حين بدأت يده الخشنة تمر على نعومة جلدها.
ـ ولكن... هل تعرفين ما يفعل الرجال؟
لم تفهم صفية لماذا يضحك ولكنها أدركت من نبراته أن شيئاً ما يفعله الرجال لا تعرفه. وفي عينيه التماع يخيفها، يجعلها متأكدة أن هذا الرجل أمامها يستطيع أن يأتي شيئاً لا تعرفه. ولكنه مريب ومخيف. وهو بدون شك شيء تحذره منهن الأمهات ويخشينه من الغرباء. . وظلت كفّه تتحرك فوق جلدها وفحّ من جديد :
ـ ولكنها ألعاب لا تليق ؟. فلماذا تلعبن بشيء كهذا؟
واحتارت الصغيرات بعدم الفهم.
كانت نوال الصغيرة قد أنهت زحفها الأخير حتى باب المغارة، فانسلت منه في انشغال الغريب بصفية، ثم انطلقت باكية بصوت مرتفع قبل أن يفطن أحد لما فعلت، ترددت أنظار الصغيرات ما بين وجه الغريب والفضاء حيث اختفت نوال، وحين لم يحرك ساكناً. زحفت فاطمة في حيرة وتردد في البداية، ثم مرقتا إل الأرض الفضاء.
توقفت كف الغريب عن الحركة وهو يتساءل:
ـ لم تقولي. هل تعرفين ما يفعل الرجال؟
لفحت أنفاسه الحارة أذنيها قبل أن تحسها في شعرها حين انطلقت زينب حتى باب المغارة، وانفلتت بجموح، فانقبض شيء ما في صدرها ثم معدتها حين ظلت في المغارة مع الغريب وحدهما.
قاست صفية المسافة حتى الباب بنظرها. وأدركت أن كساحاً ما يشلها عن اللحاق بهن، بينما أنفاس الغريب برائحة الهيشي تدنو وتزداد لهاثاً وتتسلل إلى جسدها. والظلال حين مالت الشمس أسقطت على المكان عتمة خفيفة وكئيبة. وعيناه حمروان تماماً لحظة مدّ ذراعه فدسها وراء ظهرها، وتساقط بعض التراب حين احتك بجدار المغارة!
توقفت يده بغتة حين وصل منتصف ظهرها :
ـ بنات من أنتن؟
أسعفها الصوت الحبيس وهي تستنجد به.
ـ نحن بنات الحاج محمود. وهن بنات...
ـ الستن أخوات؟
ـ بنات جميل سلمان.
أنفاسه تضطرب وتتدافع تحيرها وتثير فيها اشمئزازاً لا تفهمه بينما تظل قواها خائرة تخذلها، ورائحة التبغ الهيشي قوية حولها.
ولهجته حادة حين قال بعداء مفاجئ، وهو يدفعها بيده :
ـ قومي.. أركضي.. يا الله.. روحي !
دفعها مرة أخرى وقد عجزت عن الحركة. فجأة دبت الحياة في كساح ساقيها. زحفت القرفصاء حتى شق المغارة دون أن تلتفت وراءها مرة، بينما اضطراب أنفاسه يتابعها. انتصبت عند مصدر الضوء، ثم انطلقت كالبرق.
الطريق إلى منزلها خالٍ وهي تسابق ساقيها نحوه.. ضربات قلبها عنيفة وفهمها عاجز.. لكنها توقفت عند الباب. سحبت ثوبها من سروالها فغطت فخذيها وساقيها. ثم دلفت إلى الدار.
اجتمعت النساء بعد العصر. والتقت الصغيرات من جديد ذلك اليوم. تحدثت الأمهات عن كل شيء بعيداً عن نهار الصغيرات، فقد لعبن وعدن ككل يوم. أما الصغيرات فكان لهن أيضاً نهاراً عادياً جداً لم يجدن فيه ما يمكن الحديث عنه. لكن زينب وصفية لعبتا بنديّة هذه المرة. وعبثت الأخريات وتراكضن دون أن يجدن ما يمكن الحديث عنه في ذلك الصباح العادي. ولم تُشِرْ أي منهن إلى الغريب. وقد اجتمعن من جديد في أيام كثيرة متتالية ومتلاحقة. ولكن لم تذكر إحداهن أبداً لم تزر تلك المغارة . ولم تقل إنها عادت إليها بعد ذلك اليوم.
***
ليلى الأطرش

